صديق الحسيني القنوجي البخاري
61
فتح البيان في مقاصد القرآن
البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه أي يضرب بها نفسه في نار جهنم مخلدا فيها أبدا » « 1 » ، وفي الباب أحاديث . أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي يعني لا يفعل شيئا يستحق به القتل مثل أن يقتل فيقتل به فيكون هو الذي تسبب في قتل نفسه بكسب الجريمة ، وقيل لا تقتلوا بأكل المال بالباطل وقيل لا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملا ربما أدى إلى قتلها ، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة . ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني ، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل فقرر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم احتجاجه ، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما « 2 » . إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ومن رحمته بكم أن نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة ، وقيل إن اللّه تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون ذلك توبة لهم ، وكان بكم يا أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم رحيما حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ( 31 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي القتل خاصّة أو أكل أموال الناس باطلا ، وقيل هو إشارة إلى كل ما نهى عنه في هذه السورة ، وقال ابن جرير : إنه عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد وهو قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [ النساء : 19 ] لأن كل ما نهى عنه من أول السورة ، قرن به وعيد إلا من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ فإنه لا وعيد بعده إلا قوله ذلك . عُدْواناً على الغير وَظُلْماً على النفس لا جهلا ونسيانا وسفها ، وعلى هذا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الطب باب 56 ، ومسلم في الإيمان حديث 175 ، وأبو داود في الطب باب 11 ، والترمذي في الطب باب 7 ، والنسائي في الجنائز باب 68 ، والدارمي في الديات باب 10 ، وأحمد في المسند 2 / 254 ، 478 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 63 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 8 ، وأبو داود في الطهارة باب 124 ، وأحمد في المسند 5 / 249 .